|
الثورة
الحسينية
بعد أن تولى
يزيد الحكومة الاسلامية، ونصب نفسه أميرا للمؤمنين، ولاجل
أن يثبت
دعائم سلطته الجائرة الباطلة، صمم على أن يرسل بيانا
للشخصيات الاسلامية
المعروفة، يدعوهم فيه إلى مبايعته، ولاجل ذلك، كتب
كتابا إلى عامله في
المدينة، أكد فيه على أخذ البيعة من الحسين عليه السلام،
وإذا رفض فعليه ان
يقتله، وقد بلغ العامل هذا النداء الى الامام الحسين
عليه السلام وطالبه بالجواب،
فقال الامام الحسين عليه السلام ( إنا لله وإنا اليه
راجعون، وعلى الاسلام السلام،
(17)إذا بليت
الامة براع مثل يزيد ).
فاذا ابتلت الامة بحاكم كيزيد ، وهو شارب الخمر ، ولاعب
القمار ، والمنحرف
الفاجر، الذى لم يلتزم بالاسلام حتى بالظاهر، فعلى
الاسلام السلام، وذلك لان أمثال
هؤلاء الحكام، الذين يحكمون باسم الاسلام وبقوة الاسلام
سوف يبيدون كيان الاسلام.
وحين رفض الامام الحسين عليه السلام الاعتراف بشرعية
حكومة يزيد علم بأن بقاءه في
المدينة سيؤدي الى قتله، ولذلك خرج ليلا بأمر من الله
تعالى سرا الى مكة، وحين
وصل مكة شاع خبر وصوله ورفضه للبيعة بين الناس في مكة
والمدينة، حتى وصلت
أصداؤه الى الكوفة، وقد دعا الكوفيون الامام الحسين عليه
السلام الى التحرك إليهم
ليمسك بزمام أمورهم، ومن هنا بعث الامام عليه السلام
ابن عمه مسلم بن عقيل عليه
السلام الى الكوفة ليطلع عن كثب على التحرك والوعي
الاجتماعي في الكوفة ثم يكتب
للامام عليه السلام في ذلك . ووصل مسلم الكوفة ،
واستقبل بحفاوة منقطعة النظير
وبايعه الآلاف كنائب للامام عليه السلام، وكتب مسلم
للامام الحسين عليه السلام في
هذا الاستقبال الجماهيري، وألزمه بالتحرك السريع .
ومع أن الامام الحسين عليه السلام كان يعرف أهل
الكوفة جيدا، ويتذكر خياناتهم
وانحرافاتهم خلال خلافة أبيه وأخيه، ويعلم بأنه لايمكنه
الاعتماد على وعودهم
وعهودهم ، ومبايعتهم لمسلم ، ولكنه صمم على التحرك الى
الكوفة، من أجل إلقاء
الحجة وتنفيذا لامر الله .
ولذلك عزم على الذهاب الى الكوفة في الثامن من ذي
الحجة، أي في ذلك اليوم
، وكل من لم يصل مكة بعد، كان
(18)الذي يعزم
فيه الحجيج الذهاب الى منى
يسرع الخطى من أجل الوصول اليها، ولكن الامام عليه
السلام بقي في مكة، وفي مثل
ذلك اليوم خرج مع أهل بيته وأصحابه من مكة متجها الى
العراق ، وبعمله هذا كما
عمل بوظيفته الدينية ، كذلك أراد أن يطلع كل المسلمين
في العالم بأنه لم يعترف
بشرعية يزيد ولم يبايعه، بل إنه ثائر ضده .
وحين بلغ يزيد نبأ مسلم عليه السلام ووصوله الى الكوفة
، ومبايعة الكوفيين له
بعث ابن زياد الى الكوفة وهو من أقذر أتباع يزيد ، ومن
أبشع أنصار الدولة
الاموية وأكثرهم إجراما .
وقد استغل ابن زياد خوف الكوفيين ، وضعف إيمانهم ونفاقهم
، واستفاد من هذه
الطبيعة المنهارة المنحرفة في تنفيذ مآربه ومخططاته،
ففرقهم عن مسلم بالارهاب
والرعب، وهكذا بقي مسلم وحده يقاتل جلاوزة بني زياد،
واستشهد أخيرا، بعد قتال
شجاع مثير، سلام الله عليه. وأخذ ابن زياد يحرض مجتمع
الكوفة الخائن المنافق
المنحرف ضد الامام الحسين عليه السلام حتى وصل الامر أن
تعبأ لقتال الامام الحسين
عليه السلام بعض الذين كتبوا إليه يطالبونه بالمجيء الى
الكوفة، وهكذا ضلوا
منتظرين ليأتي الامام الحسين عليه السلام ويقتلوه .
والامام الحسين عليه السلام من الليلة التي خرج فيها
من المدينة و خلال مدة إقامته
في مكة و مسيره من مكة الى كربلاء حتى يوم إستشهاده،
كان يؤكد على هذه الحقيقة
بإيماء أو صراحة، بأن هدفه من التحرك هو إسقاط القناع
المزيف عن دولة يزيد
المعادية للدين، وليس له هدف إلا إقامة الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر،
ومواجهة الظلم والجور، وليس إلا الحفاخ على القرآن
الكريم، وإحياء الدين
المحمدي .
وهذه هي المهمة التي وضعها الله تعالى على عاتقه، حتى
لو أدى ذلك الى قتله
وقتل أصحابه وأبنائه وأسر أهل بيته .
وقد أكد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم
وأميرالمؤمنين عليه السلام والحسن
بن علي عليه السلام مرارا على شهادة الامام الحسين
عليه السلام ولهج النبي
وكان الامام الحسين عليه
(19)باستشهاد
الامام الحسين عليه السلام حين ولادته،
السلام نفسه يعلم بعلم الامامة بأن الشهادة هي مصير
هذه الرحلة، ولكن إلامام
الحسين عليه السلام لم يكن من أولئك الذين يبخلون
بأنفسهم في سبيل الله وإطاعة
أمر السماء، أو كان يخشى في ذلك من أسر أهل بيته، إنه
كان يرى البلاء كرامة
والشهادة سعادة، سلام الله الدائم عليه.
وشهادة الامام الحسين عليه السلام في كربلاء كانت من
الاحاديث الشائعة في الامة
الاسلامية، حيث كانوا يتداولونها فيما بينهم، لذلك كان
عامة الناس على علم
بنهاية هذه الرحلة، لانهم سمعوها من قريب أو بعيد من
رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم وأميرالمؤمنين عليه السلام والامام الحسن
عليه السلام وكبار صدر الاسلام.
و من هنا كان تحرك الامام الحسين عليه السلام، بالرغم
من تلك التحديات
والمصاعب، قد ضاعف من احتمال شهادته في أذهان الجماهير،
وخاصة أنه كان يردد
دائما خلال مسيره ( من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على
لقاء الله نفسه فليرحل
. (20)معنا )
ولذلك خطر في أذهان البعض من محبيه، أن يصرفه عن
المسير والتحرك.
وقد غفل هذا البعض، أن ابن علي بن أبي طالب عليه
السلام إمام وخليفة النبي،
وهو عالم بوظيفته أكثر من غيره و لن يتوانى أبدا عن
المهمة التي عهد بها الله
إليه.
أجل ... إن الامام الحسين عليه السلام واصل مسيره
وتحركه، بالرغم من كل هذه
النظريات والآراء التي تدور حوله، ولم يضعف إصراره أبدا.
وهكذا ... ذهب واحتضن الشهادة، ليس وحده بل مع أصحابه
وأبنائه، وكل واحد
منهم كان كوكبا لامعا مضيئا في سماء الاسلام، ذهبوا كلهم
وقتلوا واستشهدوا وعانقوا
بدمائهم الطاهرة رمال كربلاء الملتهبة، لتعلم الامة
الاسلامية بأن يزيد ( وريث
العائلة الاموية القذرة ) ليس خليفة لرسول الله، وأن
الاسلام في أساسه ليس يزيد،
ويزيد لايمثل الاسلام.
حقا ... هل فكرتم، أنه لو لم تحدث شهادة الامام الحسين
عليه السلام المفجعة
والمثيرة، والباعثة على الثورة والتحرك، ويبقى الناس
معتقدين بأن يزيد خليفة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بين حين وآخر،
كانت تطرق أسماعهم
حكايات بلاط يزيد والاعمال العابثة المنحرفة والبغيضة
ليزيد وعماله، فإن مثل
ذلك كان يدفعهم الى النفور والاستياء من الاسلام نفسه،
فإن مثل هذا الاسلام الذي
يكون يزيد خليفة لنبيه، لمما يستوجب حقا مثل هذا النفرة
والاستياء منه .
وأسر أيضا أهل بيته الاطهار لتصل الرسالة الاخيرة لهذه
الشهادة الى أسماع الناس،
و قد سمعنا وقرأنا أن هؤلاء الاسرى في كل مكان في المدن
والاسواق والمساجد وفي
البلاط المتعفن لابن زياد ويزيد كانوا يهتفون ويرددون
بأعلى صوت ويخطبون ليسقطوا
القناع الناعم المزيف عن الوجه البغيض المجرم لجلاوزة
بنى أمية، وقد أثبت
هؤلاء الاسرى للجميع بأن يزيد اللاعب بالكلاب والشارب
للخمر لايصلح أبدا للخلافة
الاسلامية، وأن هذا المسند الذي نصب نفسه عليه ليس
مكانه، لقد أكملت خطاباتهم
ونداءاتهم رسالة الشهادة الحسينية، فجروا زلزالا في
القلوب، ليبقى اسم يزيد
والى الابد مثالا لكل قذارة ورذيلة ودنائة، وبذلك تحطمت
كل أحلامه الذهبية
ومطامعه الشيطانية، أجل، لابد من رؤية عميقة ليمكن لنا
التوصل الى كل جوانب هذه
الشهادة العظيمة الفاعلة وأبعادها .
ومنذ بداية استشهاده وحتى يومنا هذا، يحيي هذه الذكرى
المقدسة كل محبيه
ومواليه وشيعته، وكل أولئك الذين يقدرون كرامة الانسان
وعظمته وشموخه، ففى كل
عام يحيون بارتدائهم الثياب السوداء ذكراه السنوية، ذكرى
تخضبه بالدماء، ذكرى
ثورته وشهادته، ويعبرون عن إخلاصهم ببكائهم على المصائب
والمآسي الاليمة التي
تعرض لها، وكان أئمتنا المعصومون عليهم السلام بنظرهم
البعيد ورؤيتهم الوسيعة
يولون أهمية خاصة لواقعة كربلاء وإحيائها، بالاضافة الى
توجههم وذهابهم لزيارة
حرمه الشريف، وإقامة مآتم العزاء، وهناك أحاديث كثيرة
منقولة عنهم في فضيلة
إقامة المآتم، والحزن على الامام الحسين عليه السلام.
عن أبي عمارة المنشد عن أبي عبد الله عليه السلام ،
قال : قال لي : يا أبا عمارة
أنشدني للعبدي في الحسين عليه السلام، قال فأنشدته
فبكى ثم أنشدته فبكى ثم
أنشدته فبكى، قال : فوالله مازلت أنشده ويبكي حتى سمعت
البكاء من الدار، ثم
ذكر له الامام عليه السلام الثواب والاجر لمن أنشد الشعر
في الحسين عليه السلام .
(21)
وعن الامام الصادق عليه السلام : ( أن البكاء والجزع
مكروه للعبد في كل ما جزع
. (22)ماخلا
البكاء والجزع على الحسين بن علي عليهما السلام، فإنه
فيه مأجور )
وقال الامام الباقر عليه السلام لمحمد بن مسلم ( مروا
شيعتنا بزيارة قبر الحسين
عليه السلام فإن إتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين
عليه السلام بالامامة من
. (23)الله عز
وجل )
يقول الامام الصادق عليه السلام : ( إن زيارة الحسين
عليه السلام أفضل ما يكون من
. (24)الاعمال
)
وذلك، لان هذه الزيارة، في الواقع، مدرسة كبيرة، تعلم
البشرية، دروس
الايمان والعمل الصالح، لتحلق الروح الى ملكوت الفضائل
والتضحيات .
وإقامة المآتم، والبكاء على مصائب الامام الحسين عليه
السلام، والتشرف لزيارة
ضريحه الشريف، وتمثل تاريخ كربلاء الثائر العظيم، وتجسيده
واستعراضه، وإن
كان لهذه الممارسات، قيمها ومعاييرها السامية، ولكن علينا
أن نعلم، بأنه
يجب أن لا نكتفي بهذه الزيارات والدموع والاحزان، بل
إن كل هذه المظاهر تستهدف
أن تذكرنا بفلسفة الالتزام بالدين والتضحية والدفاع عن
التعاليم السماوية، وليس
لها هدف إلا هذا، ونحن نحتاج وبإلحاح الى تلك العطاءات
الحسينية، أن تعلمنا
الانسانية، وإفراغ القلب من كل شيء غير الله، وإلا
فإننا لو اقتصرنا على المظاهر
فحسب، فسوف ينسى الهدف الحسيني المقدس.
خلق الامام الحسين عليه السلام وسلوكه :
إذا القينا نظرة عابرة على (56) عاما من الحياة المستسلمة
لرضا الله الداعية
اليه تعالى، التي عاشها الامام الحسين عليه السلام،
لرأيناها حافلة بالنزاهة
والعبودية ونشر الرسالة المحمدية والمفاهيم العميقة، التي
يعجز الفكر عن التوصل
إلى كنهها .
والان نمر بإيجاز على جوانب من حياته الكريمة :
كان متعلقا بشدة بالصلاة، ومناجاة الله، وقراءة القرآن
الكريم، والدعاء
، وحتى في الليلة
(25)والاستغفار وربما صلى في اليوم الواحد مئات
الركعات
الاخيرة من حياته لم يترك الدعاء والمناجاة، وقد ذكر أنه
طلب من أعدائه أن
يمهلوه ليمكنه أن يخلو بربه، ويتضرع إليه، وقال عليه
السلام ( لعلنا نصلي
لربنا الليلة وندعوه، ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب
الصلاة له وتلاوة كتابه
(26)وكثرة
الدعاء والاستغفار )
. (27)وقد حج
عدة مرات ماشيا الى بيت الله الحرام، وأدى مناسك حجه
كذلك
و ذكر ابن الاثير في كتابه أسد الغابة: " كان الحسين رضي
الله عنه فاضلا كثير
. (30)الصوم
والصلاة والحج والصدقة وأفعال الخير جميعها "
ومما يدل على سمو شخصية الامام الحسين عليه السلام
واحترامه وإكباره أنه حين كان
يحج ماشيا مع أخيه الامام الحسن عليه السلام، يترجل كل
الكبار، والشخصيات
(30)الاسلامية آنذاك
إحتراما لهم، ويسيرون معهم.
إن تقدير الامة للامام الحسين عليه السلام واحترامها
إنما نشأ من أن الامام الحسين
عليه السلام كان يعيش بين الناس، ولم يعتزلهم، كان
متلاحما مع روح
المجتمع، ويشعر كسائر الناس بآلامهم وآمالهم، والاسمى من
ذلك أن إيمانه القوي
بالله الذي يضعف أبدا، كان يجعله دائما مشاركا لاوجاع
الناس وآلامهم.
وإلا فإنه عليه السلام لم يكن يمتلك القصور الشاهقة
الفخمة، ولا الجنود والعبيد
المحافظين عليه، ولم يكن كالجبارين يقطعون الطرق على
الناس، ويفرغون لهم مسجد
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
والرواية التالية تعبر عن مثال لاخلاقه الاجتماعية: " مر
الحسين بن علي عليه السلام
بمساكين قد بسطوا كساءا لهم فألقوا عليه كسرا، فقالوا : هلم
يابن رسول الله ،
، ثم قال : قد
(31)فثنى وركه فأكل معهم، ثم تلا ( إنه لا يحب
المستكبرين ) "
أجبتكم فأجيبوني، قالوا : نعم يابن رسول الله، فقاموا
معه حتى أتوا منزله،
(32)فقال
للجارية : أخرجي ما كنت تدخرين.
شعيب ابن عبد الرحمن الخزاعي قال : وجد على ظهر الحسين
بن علي عليه السلام يوم
الطف أثر، فسألوا زين العابدين عليه السلام عن ذلك،
فقال : هذا مما كان ينقل
(33)الجراب
على ظهره إلى منازل الارامل واليتامي والمساكين .
ويمكن أن نتعرف على مدى إهتمام الامام الحسين عليه
السلام بالدفاع عن المظلومين
وحمايته للمحرومين من خلال حكاية أرينب وزوجها عبد الله
بن سلام ، ونستعرضها هنا
بإيجاز :
إن كل وسائل وموائد الرفاه والترف والفجور، أمثال المال
والمنصب والجواري
والفتيات وغيرها، كلها كانت متوفرة ليزيد، ولكن بالرغم
من كل ذلك كانت
عينه الوقحة الفاجرة تلاحق أعراض الاخرين، ويحاول
التعدي على زوجاتهم العفيفة.
وبدلا من أن يضرب أبوه معاوية على يد إبنه المجرمة،
ويمنعه من تصرفاته الشائنة
الدنيئة، فإنه كان يمهد له طرق ووسائل التجاوز والتعدي
المشين بمختلف
أساليب المكر والكذب والخداع ، ومن هنا فرق بين امرأة
مسلمة عفيفة وزوجها
وأخرجها من بيت الزوجية ليلقيها في أحضان ابنه الموحلة
القذرة، ويربطها بهذا
الشاب النزق الفاجر، وقد اطلع الامام الحسين عليه
السلام على الحادثة، وواجه
بشدة هذه المحاولة الشائنة، وأبطل المخطط الجهنمي، وأعاد
الزوجة الى زوجها
عبد الله بن سلام اعتمادا على بعض الاحكام الاسلامية
ومنع أيدي التعدي والتجاوز أن
تمتد إلى البيوت المسلمة الطاهرة، وقد أظهر بعمله
المقدس هذا - أمام الرأي
العام - مدى غيرة الهاشميين، ومدى إهتمامهم الدائب
المشدد بالحفاخ على نواميس
الامة الاسلامية، وقد بقيت وستبقى هذه الحكاية، وموقف
الامام الحسين عليه السلام
(34)في سجل
التاريخ، وإلى الابد، من مفاخر آل علي، ومن جرائم
ورذائل بني أمية.
يقول العلائلي في كتابه ( سموالمعنى في سمو الذات ) :
" فقد عرفنا العظيم في ثوب الشجاع، وعرفنا العظيم في
ثوب البطل، وعرفنا
العظيم في ثوب الضحية الشهيد، وعرفنا العظيم في ثوب
الزاهد، وعرفنا العظيم
في ثوب العالم، وأما العظمة في كل ثوب، والعظمة في
كل مظهر، حتى كأنها
تآزحت من أقطارها فكانت شخصا ماثلا للناس يقرأونه
ويعتبرون به، فهذا مانجده
في الحسين عليه السلام وحده، وهذا ما نلمسه فيه فقط،
حيث هو من نفسه وحيث هو من
(35)نسبه، فلقد
يكون أبوه مثله، ولكن لا يجد له أبا كمثل نفسه ".
فرجل كيفما سموت به من أي جهاته انتهى بك الى عظيم،
فهو ملتقى عظمات ومجمع
أفذاذ، فإن من ينبثق من عظمه النبوة ( محمد )، وعظمة
الرجولة ( على )، وعظمة
الفضيلة ( فاطمة )، يكون أمثولة عظمة الانسان، وآية
الايات البينات، فلم تكن
ذكراه ذكرى رجل، بل ذكرى الانسانية الخالدة، ولم تكن
أخباره أخبار بطل بل خبر
البطولة الفذة .
فالحسين عليه السلام رجل ، ولكن فيه آية الرجال،
وعظيم ولكن فيه حقيقة العظمة،
فرعيا لذكراه ورعيا للعظة به .
ومن ثم كان جديرا بنا أن نستوحيه على الدوام كمصدر
إلهامي انبثق وهاجا قويا،
وامتد بأنواره أجيالا وأجيالا، ولايزال يسطع كذلك حتى
ينتظم اللانهايات، وينفذ
إلى ماوراء الارض والسماوات، وهل لنور الله حد يقف
عنده، أو معلم ينتهي
إليه .
وكذلك يجد من تدبر نهايته، أعظم بها نهاية، وأعظم بها
تضحية وأعظم بها مثلا،
وذكرى نادرة، حتى كان يد الله خطت بها على الابدية
سطرا أحمر قانيا .
فلتسمع الاجيال ولتستيقظ الانسانية، على الصوت الرجاف
الذي ينبعث من أعماق
الرجم ومن وراء القبور، حيا جياشا ينفذ الى الاعماق فتستعر
له الضمائر، وينثال
الى مواطن الشعور فيحيا به الوجدان.
وعلى نيرات مثل هذا الصوت فقط يتبانى للانسانية أن
تغسل آثامها وتخلص من
أدرانها، وتتطهر من أرجاسها. ]
|